يوضح روبرت باف في مقال نشره موقع سايكولوجي توداي أن العقل الحديث يعيش حالة من الإفراط في استهلاك المعلومات والمحفزات الرقمية، ما يترك مساحة ضئيلة لمعالجة المشاعر المتراكمة والتخلص من الضغوط النفسية. ويشير الكاتب إلى مفهوم «الالتهام الذاتي العقلي» باعتباره فترة من الصمت والامتناع عن استقبال المدخلات الخارجية، تتيح للدماغ فرصة استعادة توازنه وتنظيم مشاعره.
ويشرح سايكولوجي توداي أن الإنسان يطعم عقله باستمرار بالمعلومات منذ لحظة الاستيقاظ وحتى النوم؛ إذ يتنقل بين الهاتف والأخبار والبودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي دون فترات راحة حقيقية. وعلى غرار الصيام المتقطع الذي يساعد الجسم على التخلص من الخلايا التالفة، يحتاج العقل إلى فترات من «الصيام الذهني» حتى يعالج ما تراكم داخله من توتر وانفعالات.
العقل المُرهق من الإفراط في الاستهلاك
يؤكد المقال أن العقل لا يختلف كثيرًا عن الجسد عندما يتعلق الأمر بالإجهاد الناتج عن الإفراط. فكما يؤدي تناول كميات كبيرة من الطعام إلى إرهاق الجسم، يؤدي التدفق المستمر للمعلومات إلى إنهاك الدماغ وإبقائه في حالة معالجة دائمة لا تسمح له بالتعافي.
وتتراكم داخل العقل يوميًا مشاعر سلبية صغيرة، مثل رسالة مزعجة في العمل أو تعليق جارح أو خبر مقلق. وعندما ينشغل الدماغ باستقبال المزيد من المؤثرات، يفقد قدرته على ترتيب هذه التجارب والتعامل معها بهدوء، ما يزيد احتمالات القلق والانفعال تجاه مواقف بسيطة.
ويرى الكاتب أن منح العقل فترة خالية تمامًا من المدخلات يمنحه فرصة لإعادة تنظيم التجارب العاطفية والتخلص من «الالتهاب النفسي» الناتج عن تراكم الضغوط. فالصمت لا يمثل فراغًا، بل مساحة ضرورية للشفاء الداخلي وبناء القدرة على التكيف.
الصمت كوسيلة لاستعادة التوازن
يستشهد المقال بمقولة للفيلسوف والرياضي الفرنسي بليز باسكال حول عجز الإنسان عن الجلوس بمفرده في هدوء، موضحًا أن البشر غالبًا يستخدمون التدفق المستمر للمعلومات كوسيلة للهروب من مواجهة أفكارهم ومشاعرهم.
ويشير الكاتب إلى أن غياب الوقت المخصص للهضم النفسي يجعل الإنسان أكثر عرضة للمبالغة في ردود أفعاله. فقد يتحول موقف بسيط، مثل تأخر رحلة أو سوء تفاهم مع شريك الحياة، إلى أزمة كبيرة بسبب امتلاء العقل أصلًا بالضغوط التي لم تُعالج.
كما يستحضر المقال تجربة عالم النفس كارل يونغ، الذي لجأ إلى العزلة والصمت لفترات طويلة في منزل بناه على ضفاف بحيرة زيورخ، بعيدًا عن وسائل الاتصال الحديثة. ويرى الكاتب أن هذا الابتعاد عن المؤثرات الخارجية ساعد يونغ على إنتاج أفكاره النفسية الأكثر تأثيرًا.
كيف نمارس الصيام الذهني في الحياة اليومية؟
يوضح المقال أن الإنسان لا يحتاج إلى الانعزال الكامل حتى يمنح عقله فرصة للتجدد، بل يمكنه إدخال عادات بسيطة تمنحه لحظات من الهدوء.
ويقترح الكاتب تخصيص الساعة الأولى بعد الاستيقاظ دون استخدام الهاتف أو متابعة الأخبار أو تصفح مواقع التواصل، لأن بداية اليوم تؤثر بشكل كبير في الحالة النفسية. ويمكن استبدال هذه العادة بأنشطة هادئة مثل التأمل أو إعداد مشروب أو ممارسة تمارين بسيطة.
كما يدعو إلى تجربة التنقل اليومي في صمت، بعيدًا عن المكالمات والبودكاست والموسيقى، حتى يتعود العقل على وجود مساحة غير ممتلئة بالمحفزات. ويقترح أيضًا المشي لمدة عشرين دقيقة دون هاتف، بهدف السماح للذهن بالاسترخاء واستعادة قدرته على التركيز.
ويخلص روبرت إيه. بف إلى أن السلام النفسي لا يأتي دائمًا من الحصول على المزيد من المعلومات أو البحث عن إجابات إضافية، بل قد يكون موجودًا بالفعل داخل الإنسان عندما يمنح نفسه لحظة هدوء حقيقية بعيدًا عن الضجيج المستمر.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/meditation-for-modern-life/202607/mental-autophagy-why-you-need-to-starve-your-anxious-mind

